مدونة طارق هاشم

ايام الجامعة

ايام الجامعة

ايام الجامعة اشتغلت في المذبح المركزي لمدينة امدرمان ،او باختصار ،السلخانة ،كما يسميها اهل الكار ، كانت فترة العمل ليلية تمتد حتي الساعة التاسعة صباحا ،حيث اذهب بعدها للجامعة .
مهنة الجزارة كانت واحدة من مهن كثيرة في السلخانة ،انا كنت اعمل في نقل اللحم من المذبح الي محلات الجزارين ، مع معلمي ( حاج السر) و هو رجل طيب الي الحد الذي تسمح به مهنته الدموية ، كان المعلم يشتري اللحم بالجملة ،يورده الي الجزارين و يعود اليوم التالي ليقبض الثمن ، و طبعا كان هناك ما يكفي من الاثارة في هذا العمل البسيط ليملأ صفحات كتاب ، معظم الجزارين كانوا مقامرين ،و كثيرا ما فقد بعضهم اموال المعلم في سكرة البارحة . المعلم كان صبورا و حاسما ، بقامته المتوسطة و وجهه الذي يخلو من الانطباعات ،كان كثيرا ما يتجاوز و يمنح الجزار مزيدا من اللحم ،ليسدد ديونه ، و كنت انا و (عبدالله) زميلي ننزل فخذا او صفا من اللحم العجالي من الشاحنة الصغيرة لنضعه في المحل بينما يحادث المعلم زبونه المضطرب و يتفقان علي امور السداد .


كنت اظن ان المعلم شغلني بسبب كفاءتي ،لكن النظرة الواقعية لطبيعة المهنة و زميلي عبدالله الشبيه بعجل الفريزيان ، كانت تؤكد كلام الاصدقاء ،بأن المعلم كان يحتاج لبودي جاردات اكثر من عتالين او باعة ، و قد كان ظهورنا في معظم الاحيان كفيلا بتليين دماغ المخالفين ،دون الحوجة لاستعمال الكزلك او الساطور او حتي خطاف اللحمه .
في احد الايام مررنا بزبون لزج ،هذا الجزار بالذات كان يتلكك كثيرا في السداد ، و يومها اخبر المعلم انه باع اللحم لكنه سلف المبلغ لاخيه الذي وضعت زوجته ، و سيدفع لاحقا ، المعلم ، امهله ثلاثة ايام فقط و بعدها سيقطع خصيتيه ان لم يرجع النقود ، كان من الواضح ان الزبون لم يصدق تهديد المعلم ، و في اليوم التالي ذهب لتاجر منافس و اخذ منه اللحم ، و علي امتداد يومين ، كان المعلم يكرر تحذيره .
في اليوم الثالث و علي الموعد ، وصلنا الي الزبون ،انا توقعت ان اجد المبلغ جاهزا ، لكن خاب املي ، بعد حوار قصير ، لم يدفع الجزار اي شيء ،و هكذا اصبح (حاج السر ) مضطرا للتصرف و الا تنصل باقي الزباين .

(ايام الجامعة)


“طارق ،عبدالله ، طبوه “
_صرخ فينا المعلم و ببساطه تحركنا نحو الجزار ، دفعته للخلف بقوة بينما سحبه عبدالله بعدها الي طاولة التقطيع ،في لحظة كنا قد قلبناه علي ظهره ،ممسكين يديه و قدميه ، استل المعلم الكزلك و بدون تردد قبض علي خصيتيه و الجزار يصرخ و يفرفر ، و فجأة نطق وسط دموعه ،( القروش في الجلابية ،القروش في الجلابيه ).
افلت المعلم خصيتي الزبون و ذهب للجلابية المعلقة في اخر الدكان ، كان في الجيب ،ربطة سمينه من الجنيهات ، عد المعلم المبلغ حتى وصل لمديونيته ، ثم اعاد الباقي للجلابية و طلب منا افلات الزبون .
الزبون كان في وضع نفسي سيء جدا ، و كان يبكي ، و يتمتم باعتذارات كثيرة ، اوقفه عبدالله برفعه من لياقته، اقترب منه المعلم و ساله ، عايز كم كيلو بكرة؟ ، الجزار قال بعفوية ،”ميه و خمسين كيلو” . و هكذا رجعنا لتوريد اللحم و لم نسأله ماذا قال لمنافسنا ، و برغم اننا الثلاثة ،لم نحكي شيئا مما حدث لأي شخص ،الا ان السلخانة كلها ،كانت تلوك القصة في الليلة التالية.

#ذكريات

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى